عثمان بن جني ( ابن جني )

34

الخصائص

كما يرى رتشاردز أن تأثير اللفظ من حيث هو صوت لا يمكن فصله عن تأثيراته الأخرى التي تتم في نفس الوقت ، فجميع هذه التأثيرات ممتزجة بحيث لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر . . ويرى أنه لا توجد مقاطع أو حروف متحركة تتصف بطبيعتها بالحزن أو الفرح . إذ تختلف الطريقة التي يؤثر بها الصوت في نفوسنا تبعا للانفعال الذي يكون موجودا فعلا في ذلك الوقت ، بل إنها تختلف أيضا تبعا للمدلول ، وتوقع حدوث الصوت نتيجة للعادة ولروتين الإحساس ليس إلا مجرد جزء من حالة التوقع العامة ، فهناك عوامل تتدخل في العملية . ولا يحدد الصوت ذاته طريقة تأثيره بقدر ما تحددها الظروف التي يدخل فيها هذا الصوت ، هذه التوقعات جميعا مرتبط بعضها بالبعض الآخر ارتباطا وثيقا . والكلمة الناجحة هي التي تستطيع أن تشبع هذه التوقعات جميعا في نفس الوقت ، إلا أنه يجب علينا ألا نعزو إلى الصوت وحده ميزات تتضمن هذا العدد الكبير من العوامل الأخرى ، ولا يعنى قولنا هذا أن نقلل من أهمية الصوت في شيء . فالصوت في معظم الحالات هو مفتاح التأثيرات . ويرى النقاد المحدثون " أن الصوت والوزن يجب أن يدرسا كعنصرين في مجمل العمل الفنى ، وليس بمعزل عن المعنى " . والحق ما ذكره ريتشاردز يثير عددا من القضايا المهمة في بحث تلك العلاقة الدقيقة بين الصوت والدلالة تحتاج منا إلى وقفة متأنية لتأملها . فهو يقرر أولا أن الدلالة الصوتية تأتى مصاحبة ومتضافرة في الوقت نفسه مع دلالاته الأخرى المعجمية والصرفية والنحوية . . . إلخ . وهذا ينبغي ألا يمثل إشكالا من جهة عزو تأثير هذا اللفظ إلى إحدى هذه الدلالات دون الأخرى . فقد يدعى مدع أن الدلالة الصوتية للفظ ما في سياق ما هي كذا وكذا ، فلا يجوز لأحد تكذيبه لكونه يستشعر أن تلك القيمة إنما هي حصيلة الدلالة الصرفية أو المعجمية لتلك الكلمة مثلا ؛ لأنه يرد على ذلك المكذب بأنه لا تزاحم بين الدوال ، فلا مانع أن يكون للمعنى الواحد دوال متعددة ، فهذا يؤدى إلى تقوية المعنى وتأكيده لأن هذه الدوال إنما تعمل متآزرة متعاضدة . ولننظر على سبيل المثال هنا إلى الدلالة الفنية لكلمة ( توسوس ) في قوله تعالى :